السيد الطباطبائي
347
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
بتصرّف الوهم وفعله ، وكلامنا في هذا الكتاب منحصر في الاعتبارات المتوسّطة بين الحقيقتين ، أعني الكمال والنقص . الفصل الثالث في كيفيّة نشوء الاعتبار ، ومنشأه ، وما هو الاعتبار الأوّل ؟ إنّا إذا تعمّقنا وخلنا من أنفسنا مجرّدة إيّاها بادئ وقوعها في الدنيا أو توهّمنا طفلا تولّد الآن ولم يأخذ من المعارف غير بعض الاعتقادات الأوّليّة ، وقد عرف أنّه هو وأحسّ ببعض أعضائه ، وأنّه من بدنه ، وإذ كان له قوى منها الغاذية والهاضمة ، ووقع في معدته شيء ، فالحالة التي يجدها من نفسه بالنسبة إلى نفسه لم يفرّق بينها وبين النسبة التي بين بدنه ورأسه ، والنسبة نسبة الضرورة ، ثمّ إذا خلت معدته بالهضم وجاع أحسّ ثانيا بعين هذه النسبة وتحرّك نحو الغذاء بعين هذه العقيدة في النسبة . فهذا هو الوجوب الاعتباري ومنشأه الضرورة الحقيقيّة . وكان هذا أوّل خديعة خدعت بها الفطرة « 1 » الإنسانيّة إيّاه لتتوصّل بها إلى الخير بالذات والكمال المطلق الحقيقي ، والغرض من هذا التمثيل وإلّا فلعلّ قبله عقبات . وكان هذا أوّل مادّة تفطّنت بها النفس ، وأمّا نحو الجرمة والأولويّة ونحو ذلك ، فبعد هذا بكثير . ومع ذلك فلا تخلو قضيّة عمليّة عن هذه المادة - أعني الوجوب - وإن كانت المادة في القضيّة أصالة هي الأولويّة أو الامتناع ، لكنّ الفعل أو الترك لا يخلوان منه ، ويمكن الاستدلال على ذلك بعد التجرّد والتعمّق المذكور بما سيجيء إن شاء اللّه
--> ( 1 ) والمراد بالفطرة هو الطبيعة بما هي تسري بالوهم النسب بالضرورة . ( منه قدّس سرّه ) .